من التعقيد للبساطة في اتخاذ القرارات المالية
في هذه المقالة سنأخذ نظرة على بناء منتجات الفنتك وتحديدًا كيف تعيد أبيان تصميم تجربة المال؟
في السنوات الأخيرة، تحول قطاع التقنية المالية (الفنتك) إلى أحد أكثر القطاعات تأثيراً في صياغة علاقة الأفراد اليومية بالمال. لم تعد الخدمات المالية مقتصرة على أروقة البنوك التقليدية أو روتينات الإجراءات الطويلة؛ بل باتت أقرب إلى جيب المستخدم عبر تطبيقات ومنصات رقمية تسعى لتبسيط الاستثمار، التداول، الادخار، وإدارة الثروات. ومع ذلك، فإن بناء منتج مالي رقمي يختلف جذرياً عن تطوير أي منتج تقني آخر.
في عالم الفنتك، لا يتعامل فريق العمل مع مجرد واجهات أو تجربة استخدام عابرة، بل مع مدخرات المستخدمين، وثقتهم، وقرارات مصيرية تشكل مستقبلهم المالي. بناءً على ذلك، يتطلب أي منتج مالي ناجح صياغة توازن دقيق وشديد الحساسية بين سلاسة الاستخدام، وحصانة الأمان، والامتثال للتشريعات، ووضوح الرؤية للمستخدم. ومن هذا المنطلق، تبرز تجربة إبراهيم الزكري مع منصة أبيان كحالة دراسية ملهمة لتفكيك كواليس إدارة المنتجات المالية الرقمية، وكشف التحديات غير المرئية التي تجري خلف الستار.
وهم التقنية: لماذا لا يكفي الكود البرمجي لنجاح المنتج المالي؟
قد يبدو قطاع الفنتك من الخارج كأنه فضاء تقني بحت يتكون من تطبيقات جذابة، واجهات برمجية (APIs)، وتكاملات معقدة للبيانات. لكن في جوهره العميق، يدور الفنتك حول سؤال إنساني وسلوكي: كيف نجعل القرار المالي أسهل وأكثر أماناً للمستخدم؟
المستخدم المعاصر لا يبحث عن تطبيق مالي لمجرد أن تصميمه أنيق؛ بل يريد إجابات واضحة: أين يضع أمواله؟ ولماذا؟ وما هي المخاطر والخيارات المتاحة أمامه؟ وهنا يتضح أن نجاح أي منتج مالي لا يتكئ على كفاءة التقنية وحدها، بل على الفهم العميق لسلوك المستهلك، ومخاوفه، وطريقة اتخاذه للقرار تحت الضغط المالي.
هذا الوعي يتقاطع مباشرة مع بداية إبراهيم الزكري في هذا المجال؛ فرغم أن بداياته كانت وثيقة الصلة بالجانب التقني، إلا أنه أدرك سريعاً أن البناء التقني المعقد والمبهر قد ينتزع إعجاب المتخصصين، لكنه لا يضمن عودة المستخدم لاستخدام التطبيق مجدداً. المقياس الحقيقي للمنتج ليس الانطباع الأولي، بل الاستدامة والقدرة على حل مشكلة حقيقية في السوق.
من كواليس الاستشارات إلى عقلية المنتج
لم يكن دخول إبراهيم إلى إدارة المنتجات عبر مسار أكاديمي تقليدي، بل كان نتاجاً لتطور تدريجي بدأ من الشغف بالتقنية، مروراً بالعمل في قطاع الاستشارات، وصولاً إلى اكتشاف المساحة المشتركة التي تربط بين التقنية، والأعمال، وتجربة المستخدم.
وقد لعبت الخلفية الاستشارية دوراً محورياً في صقل مهاراته؛ حيث ساعدته على إتقان تفكيك المشكلات المعقدة، وبناء سيناريوهات مقنعة، وفهم تطلعات أصحاب المصلحة، وتحويل التحليلات إلى قرارات عملية. في قطاع الفنتك تحديداً، تكتسب هذه المهارات وزناً مضاعفاً. فمدير المنتج هنا لا يسأل فقط: ما هي الميزة القادمة التي سنبنيها؟، بل يواجه أسئلة أكثر تعقيداً: هل هذه الميزة آمنة؟ هل تتوافق مع المتطلبات التشريعية؟ هل تبني الثقة أم تزيد من ارتباك المستخدم؟ هنا يظهر الفارق الجوهري بين مدير يكتفي بإدارة المهام، ومدير يمتلك "عقلية المنتج" التي تحلل المشكلة والأثر قبل اتخاذ القرار.
حالة أبيان: تمكين الوصول المالي وثقافة الملكية
تُعد تجربة أبيان نموذجاً حياً لكيفية بناء منتج مالي رقمي في سوق يتسم بالديناميكية والتغير المتسارع. لم تصمم أبيان لتكون مجرد تطبيق استثماري إضافي، بل جاءت كمحاولة جادة لتسهيل وصول الأفراد إلى المنتجات المالية وتجريدها من غموضها التقليدي.
إن القيمة الأساسية هنا هي التمكين والوصول المالي. الكثير من الأفراد يمتلكون الرغبة في الاستثمار، لكنهم يتراجعون أمام عوائق ضخمة: تعقيد المصطلحات، الخوف من الخطأ، أو تشتت الخيارات. دور أبيان يكمن في تذليل هذه العقبات عبر إعادة هندسة الرحلة الاستثمارية لتصبح قائمة على الوضوح وبناء الثقة.
وعلى الصعيد الداخلي، يبرز مفهوم ثقافة الملكية (Ownership) كعنصر حاسم لنجاح المنتج. تعني هذه الثقافة، باختصار، أن يتعامل مدير المنتج والفريق مع المنتج وكأنه شركتهم الخاصة، حيث يُنظر لمدير المنتج كأنه رئيس تنفيذي مصغر (Mini-CEO) يتحمل المسؤولية الشاملة ولا يلقي باللوم على الأقسام الأخرى عند التعثر. وتستند هذه الثقافة إلى عدة ركائز أساسية:
المسؤولية من البداية للنهاية (End-to-End Accountability): لا يقتصر الدور على كتابة المتطلبات وإدارة المهام التقنية، بل يشمل تبني الفكرة، الإشراف على التصميم والتطوير، وصولاً إلى تجربة المستخدم النهائية ومتابعة الأداء المالي والعائد على الاستثمار.
القيادة بدون سلطة (Leading without Authority): في الغالب، لا يملك مدير المنتج سلطة إدارية مباشرة على المبرمجين أو المصممين أو خبراء الامتثال. لذا، تعتمد قدرته على توجيههم نحو هدف مشترك على لغة البيانات، وفهم السوق، والإقناع.
التركيز على النتائج لا المخرجات (Outcomes over Outputs): الهدف الأسمى ليس مجرد إطلاق ميزة جديدة كإنجاز تقني، بل الأثر الفعلي لهذه الميزة؛ مثل زيادة تفاعل المستخدمين أو تبسيط رحلتهم الاستثمارية.
عقلية المبادرة (Proactive Problem Solving): في ثقافة الملكية، عبارة هذا ليس من اختصاصي غير موجودة.
على سبيل المثال: إذا واجه فريق البرمجة عقبة تقنية في الربط مع مزود البيانات، أو تأخر فريق التسويق في تجهيز حملة الإطلاق، فإن مدير المنتج الذي يمتلك هذه الثقافة يتدخل فوراً؛ يبحث عن حلول بديلة، وينسق بين الأقسام لتذليل العقبات وضمان إطلاق المنتج بنجاح. هذا الشعور العالي بالمسؤولية الشاملة هو ما يضمن عدم تحول التفاصيل الدقيقة إلى تجربة مستخدم مفككة.
معضلة الأسواق المزدحمة: لماذا أبيان تداول الآن؟
أحد أبرز المنعطفات في حديث إبراهيم كان حول إطلاق "أبيان تداول". يتبادر إلى الذهن فوراً سؤال منطقي: لماذا تدخل أبيان سوق التداول الآن وهو يبدو متخماً باللاعبين والمنصات الراسخة؟
تكمن الإجابة في أن ازدحام السوق بالحلول لا يعني بالضرورة أن مشكلة المستخدم قد حُلّت. توفر بعض المنصات أدوات تحليلية بالغة القوة، لكنها تفترض مسبقاً أن المستخدم يمتلك خبرة المحترفين في قراءة السوق واتخاذ القرار.
يشبه الأمر أن تمنح شخصاً عادياً مفاتيح سيارة فورمولا 1 (F1)؛ السيارة مبهرة ومحركها خارق والإمكانات كلها موجودة، لكن السائق العادي لن يعرف حتى كيف يبدأ بتشغيلها، ناهيك عن قيادتها بثقة!
من هذه الفجوة وُلدت أبيان تداول. هناك شريحة واسعة من المستخدمين ترغب في دخول عالم التداول، لكنها تخشى الغرق في التعقيد. المنتج الجديد لا يسعى ليكون مجرد منصة أخرى، بل يطمح لإعادة صياغة تجربة التداول وجعلها في متناول المستخدم العادي، دون فقدان قيمتها أو جديتها. كان التحدي أن سوق التداول مزدحم، فتعامل فريق أبيان مع هذا الواقع كفرصة؛ للتركيز على فجوات الفهم والثقة بدلاً من الانشغال بعدد المنافسين.
قوانين اللعبة الحساسة: لماذا يفشل الـ MVP التقليدي؟
في بيئة المنتجات الرقمية التقليدية، يسود مبدأ إطلاق "نسخة أولية بسيطة" (MVP)، ثم جمع التغذية الراجعة وتطويرها بسرعة. لكن في قطاع الفنتك، هذه الاستراتيجية لا تعمل بالطريقة ذاتها.
لا يمكن اختبار منتج مالي خصوصاً الاستثمار والتداول بنسخة ناقصة؛ فالأمر هنا مرتبط بأموال حقيقية، وتراخيص تشريعية، ومتطلبات أمنية لا تقبل المساومة. الخطأ غير مسموح به لأنه يضرب الأصل الأثمن: الثقة. لذلك، استعاض فريق أبيان عن الإطلاق السريع بتعميق مرحلة الاكتشاف، وتكثيف المقابلات مع المستخدمين، وتحليل السلوك الفعلي بعمق قبل بناء الحل.
البحث عن العائق الخفي: هل المشكلة في الواجهة أم في القرار؟
أظهرت تجربة أبيان أن سبب عزوف المستخدم عن التداول قد يختلف عن الافتراضات الأولية. قد يظن الفريق أن التحدي يكمن في تعقيد واجهة الشراء أو طول الخطوات. لكن المقابلات كشفت عن جذر أعمق: أحياناً العائق الحقيقي هو أن المستخدم لا يعرف ماذا يشتري أساساً.
وهنا يتغير نوع الحل تماماً؛ إن كانت المشكلة في خطوة الشراء فالحل تصميمي (UI/UX). أما إن كانت ماذا أشتري؟، فالحل يحتاج رحلة ترشد المستخدم وتشرح الخيارات وتبني الثقة في القرار. البيانات تخبرك أين توقف المستخدم، لكن
المقابلات هي ما يفسر لماذا.
فن المقابلة الحية: كيف تستخرج الحقيقة من المستخدم؟
أبحاث المستخدمين ليست مجرد زيادة في عدد الأسئلة؛ بل هي أداة منهجية لاستخراج فهم حقيقي. الأسئلة العامة مثل: هل ستستخدم هذه الميزة؟ غالباً ما تؤدي إلى إجابات مجاملة. المنهجية الأفضل هي استدراج المستخدم لسرد تجربة واقعية حدثت بالفعل:
متى آخر مرة حاولت أن تتداول؟
ماذا فعلت خطوة بخطوة؟
من أين حصلت على المعلومة؟
ما الذي جعلك تتردد؟
حين يسرد المستخدم قصة حقيقية، تطفو التفاصيل الثمينة التي تساعد الفريق على بناء منتج أقرب للواقع.
المعادلة الصعبة: التبسيط دون تسطيح
يعد التبسيط من أصعب المعادلات في تصميم المنتجات المالية. المستخدم يحتاج تجربة سهلة، لكن السهولة لا تعني إخفاء المعلومات المهمة؛ فذلك قد يحول المنتج إلى أداة مريحة من الخارج لكنها مضللة أو خطرة من الداخل.
التحدي في أبيان تداول هو بناء تجربة تعرض المعلومات المالية بطريقة مفهومة، دون إرباك المستخدم ودون تجريد الأداة من قيمتها التحليلية. المطلوب هو ترجمة التعقيد إلى وضوح.
الثقة والشرعية في السوق السعودي:
في البيئة المحلية، المنتجات المالية مرتبطة ارتباطاً عضوياً بالثقة، الامتثال، والتوافق مع المعايير الشرعية. الوضوح الشرعي ليس مجرد معلومة على الهامش، بل هو ركيزة أساسية. إذا لم تكن هذه المعايير واضحة، قد يتردد المستخدم مهما كانت التجربة التقنية ممتازة. "أبيان تداول" تسعى لدمج هذه الجوانب في صلب الرحلة الرقمية ليفهم المستخدم بوضوح ما الخيارات المتاحة وما المناسب منها.
الذكاء الاصطناعي: أداة لحل المشكلات أم ترند؟
تحدث إبراهيم عن الذكاء الاصطناعي بواقعية: السؤال الصحيح لمدير المنتج هو ما هي المشكلة التي سيحلها الذكاء الاصطناعي للمستخدم؟
في أبيان تداول، تتبلور قيمته عندما يعمل كمترجم للتعقيد؛ يشرح المؤشرات، يبسط الاستراتيجيات، ويحول الأرقام إلى معنى واضح يساعد على اتخاذ القرار. ومع ذلك، يظل دور مدير المنتج أساسياً؛ فالذكاء الاصطناعي يسرع التحليل، لكنه لا يتخذ القرار الاستراتيجي بدلاً من الإنسان.
دروس مستفادة لكل مدير منتج رقمي
تقدم تجربة إبراهيم الزكري وفريق أبيان عدة دروس مهمة:
لا تبدأ من التقنية: التقنية وسيلة وليست ضماناً للنجاح، ابدأ من المشكلة.
الثقة جزء من بنية المنتج: في الفنتك، الثقة ليست عنصراً تسويقياً فقط.
الفرص الكامنة في الأسواق المتشبعة: ازدحام المنافسين فرصة لإعادة تصميم التجربة لفئة لم تُخدم بالشكل الملائم.
خصوصية الـ MVP: المنتجات المالية تتطلب حذراً شديداً بسبب الأموال والمخاطر.
جودة المقابلات: هي أداة لفهم السلوك الفعلي إذا أُديرت بشكل صحيح بعيداً عن الافتراضات.
التبسيط الحقيقي: لا يعني حذف التعقيد، بل تحويله إلى تجربة مفهومة.
ختامًا
أبيان، من خلال تجربة إبراهيم الزكري، تقدم مثالاً واضحاً على طبيعة بناء المنتجات المالية الرقمية. الفنتك لا يقوم فقط على إطلاق تطبيقات جديدة، بل على فهم عميق للمستخدم، وسلوكه، ومخاوفه، وطريقة اتخاذه للقرار المالي. أما أبيان تداول، فيمثل امتداداً لهذه الرؤية لتلبية حاجة المستخدمين إلى وضوح أكبر وتجربة أبسط في سوق التداول. في النهاية، التحدي الحقيقي ليس توفير الأدوات، بل مساعدة المستخدم على فهمها، مما يجعل إدارة منتجات الفنتك مجالاً يجمع بين التقنية، المال، والإنسان.
شاركونا آراءكم في التعليقات: من واقع تجاربكم كمستخدمين للتطبيقات المالية، ما هو العامل الأهم الذي يمنحكم الطمأنينة والجرأة لتجربة منصة تداول أو استثمار جديدة؟
كتابة: سعود المبدل | إعداد: جوري آل سليمان
بالاستناد إلى تجربة إبراهيم الزكري (مدير المنتجات في أبيان)
